بلوحين وطباشير، مدرس لاجئ يسد ثغرات التعليم في أحد المخيمات

أطلق المربي السوداني المخضرم مركزه الخاص للتعليم لإعطاء اللاجئين الشباب دروساً باللغة الإنكليزية- والسلام- في مخيم أثيوبي.

 

النور بورتيل، 71 عاماً، كرس أيامه ليوفر للاجئين الشباب تعليم اللغة والتربية المدنية.   © UNHCR/Diana Diaz

قد يكون النور بورتيل رجلاً عجوزاً الآن، لكنه لا يزال يذكر كيف كان أساتذته في الجامعة في بلده السودان يلهمونه لعيش حياة صالحة والدراسة بجهد من أجل مستقبل أفضل.

والآن، في مخيم اللاجئين الأثيوبيين حيث يعيش منذ عام 2011، يسعى الرجل البالغ من العمر 71 عاماً إلى أن يكون كأساتذته؛ مرشداً للسودانيين الشباب الذين انتهى بهم الأمر هنا، حيث الإلهام والحافز شبه معدومين.

في "مركز النور للغة" الخاص به في مخيم شيركول في غرب أثيوبيا يقول  بورتيل: "التعليم أساسي للحياة والتطور". بنى بنفسه مركز التعليم ذاك المؤلف من غرفة واحدة، حيث يعلم اللغة الإنكليزية والتربية للاجئين من المراهقين والشباب البالغين الذين يفتقرون إلى التعليم المناسب والتدريب المهني.

"التعليم أساسي للحياة والتطور"

ويضيف بورتيل: "اللاجئون الشباب يهدرون حياتهم، ولا يفعلون شيئاً. آن الآوان لوضع حد لتلك المشاكل. هؤلاء الشباب هم مستقبل بلداننا".

في السودان، علّم بورتيل اللغة الإنكليزية في المدارس الثانوية المحلية وفي جامعة أم درمان. ويوضح: "فكرت بأنه علينا تغذية عقولهم. إذا نجحت في تغيير حياة فرد واحد منهم فقط، فسيُحدث ذلك فرقاً".

والمفوضية التي تساعد على إدارة مخيم شيركول حيث يعيش بورتيل مع 11,200 لاجئ معظمهم سودانيون، تبذل قصارى جهدها لتوفير ما يمكن من التعليم، لكنّ الموارد محدودة. نداء المفوضية لأثيوبيا لم يموّل بأكثر من 35%، مع وجود عجز يصل إلى 181 مليون دولار أميركي، مما يعني فقدان اللاجئين للتعليم مقابل الحصول على الأساسيات مثل المأوى والغذاء والرعاية الصحية.

وفي لحظة كهذه، يكون دور المتطوعين مثل بورتيل حاسماً لسد الثغرات. تطوع مع لاجئَيْن من أقرانه لتعليم 130 طالباً اللغة الإنكليزية والتربية المدنية والشفافية وسيادة القانون، وما يصفه بورتيل بـ"التعايش السلمي". وقد قدمت المفوضية والوكالة الحكومية الأثيوبية لشؤون اللاجئين لوحين وطباشير.

جاء بورتيل من كودا، وهي بلدة في جبال النوبة في منطقة جنوب كردفان السودانية، حيث اندلع الصراع مجدداً بين المتمردين والقوات الحكومية في عام 2011. واليوم الذي فر فيه مع زوجته في يونيو من ذلك العام، كان "اليوم الذي قُتِل فيه النوبيون بأعداد كبيرة"، كما يتذكر، والدموع في عينيه. قُتِل عمّاه ودُمِّر منزله.

النور بورتيل يقف أمام القاعة الدراسية حيث يعلم الشباب اللاجئين.   © UNHCR/Diana Diaz

ويقول بورتيل: "تركت كل شيء ورائي إلاّ علمي. أحلم بتطوير خدمات التعليم للشباب. أشجعهم على التعلم من بعضهم، فذلك يساعدهم على زيادة ثقتهم بأنفسهم. لدي العديد من الطلاب البارعين الذين يحتاجون فقط إلى القليل من الثقة".

"لدي العديد من الطلاب البارعين الذين يحتاجون فقط إلى القليل من الثقة"

افتُتح "مركز النور للتعلم" مؤخراً في يناير 2016، لكنّ طلاب بورتيل يدركون بالفعل أثر دروسه ويشعرون بالالتزام للمضي قدماً بالتعلم.

ويقول اللاجئ السوداني إيمويل يعقوب البالغ من العمر 27 عاماً: "لم أكن أفهم أهمية التعلم سابقاً. مع النور لا أتعلم فقط التكلم بالإنكليزية، بل أفهم لِمَ يجب علينا أن نحترم بعضنا بعضاً. أصبحنا أفضل حالاً وأكثر مسؤولية، لذلك يمكننا لأن نحظى بفرص لبناء مستقبل أفضل".

بات يعقوب وغيره من الخريجين من مركز النور للتعلم يستخدمون ما علمهم إياه بورتيل، ويدرسون اللغة الإنكليزية بدورهم للأطفال اللاجئين في المخيم.

أوصى سيراك سيليشي، وهو المسؤول المساعد في مجال الحماية التابع للمفوضية في شيركول، بورتيل بإضافة هذه الدروس القيمة إلى منهج اللغة الأساسي الذي يعتمده.

ويقول سيليشي: "يلهم النور اللاجئين لتحقيق أحلامهم من خلال التعليم، بينما يعيد إليهم الإحساس بالحياة الطبيعية. ونظراً لقيود التمويل، فإن المفوضية والشركاء ليس لديهم القدرة دائماً على توفير التعليم الثانوي أو تعليم اللغات للاجئين. نعتمد على العمل التطوعي كالذي يقوم به النور للاجئين الشباب كي يحققوا إمكاناتهم الكاملة، ويستعيدوا الأمل في الحياة، ويستعدوا لإيجاد حلول دائمة سعياً لتحقيق حياة منتجة".

النور بورتيل يعلّم في الصف المسقوف بالخيزران والذي سماه "مركز النور للغة"، حيث يتعلم اللاجئون الشباب اللغة والتربية المدنية.  © UNHCR/Diana Diaz

وأولاد بورتيل البالغون الخمسة الذين تتراوح أعمارهم بين 21 و35 عاماً، درسوا جميعهم في كينيا بفضل برامج المنح الدراسية. وهم يستعدون للانطلاق بمسيراتهم المهنية كمدرسين وممرضين وعاملين في مجال التنمية.

يشكل اللاجئون الشباب في شيركول حوالي 15% من السكان، وغالباً ما يكونون عرضة لخطر العنف والانخراط في آليات التصدي الضارة. ويأمل النور بأنه قد يشجع كذلك جيلاً كاملاً من الشباب اللاجئين في المخيم على تعلم المهارات اللازمة لإيجاد فرص عمل عندما يتمكنون من العودة إلى بلادهم.

ويقول: "أتمنى أن ينقل الشباب رسائل التسامح كي يعم السلام في البلدان المضطربة. ليس التعليم الحل الوحيد، وإنما هو البداية ليسهم شبابنا في إنماء مجتمعاتهم".